الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
53
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وقوله : وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا استسلام للّه ، أي : انقضى زمن الإمهال ، وبلغنا الأجل الذي أجّلت لنا للوقوع في قبضتك ، فسدّت الآن دوننا المسالك فلا نجد مفرّا . وفي الكلام تحسّر وندامة . عند ظهور عدم إغناء أوليائهم عنهم شيئا ، وانقضاء زمن طغيانهم وعتوّهم ، ومحين حين أن يلقوا جزاء أعمالهم كقوله : وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسابَهُ [ النور : 39 ] . وقد أفادت الآية : أنّ الجنّ المخاطبين قد أفحموا ، فلم يجدوا جوابا ، فتركوا أولياءهم يناضلون عنهم ، وذلك مظهر من مظاهر عدم إغناء المتبوعين عن أتباعهم يومئذ إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا [ البقرة : 166 ] . وجملة : قالَ النَّارُ مَثْواكُمْ فصلت عن الّتي قبلها على طريقة القول في المحاورة ، كما تقدّم عند قوله تعالى : قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها في سورة البقرة [ 30 ] . وضمير الخطاب في قوله : النَّارُ مَثْواكُمْ موجّه إلى الإنس فإنّهم المقصود من الآية ، كما في قوله تعالى : بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ فَالْيَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعاً وَلا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ [ سبأ : 41 ، 42 ] وقوله : وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [ هود : 119 ] . ومجيء القول بصيغة الماضي : للتّنبيه على تحقيق وقوعه وهو مستقبل بقرينة قوله : يَحْشُرُهُمْ كما تقدّم . وإسناده إلى الغائب نظر لما وقع في كلام الأولياء : رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ إلخ . والمثوى : اسم مكان من ثوى بالمكان إذا أقام به إقامة سكنى أو إطالة مكث ، وقد بيّن الثّواء بالخلود بقوله : خالِدِينَ فِيها . وقوله : خالِدِينَ فِيها هو من تمام ما يقال لهم في الحشر لا محالة ، لأنّه منصوب على الحال من ضمير مثواكم ، فلا بدّ أن يتعلّق بما قبله . وأمّا قوله : إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ فظاهر النظم أنّه من تمام ما يقال لهم . لأنّ الأصل في الاستثناء أن يكون إخراجا ممّا قبله من الكلام . ويجوز أن يكون من مخاطبة اللّه لرسوله صلى اللّه عليه وسلّم ، وقع اعتراضا بين ما قصّه عليه من حال المشركين وأوليائهم يوم الحشر ، وبين قوله له : إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ويكون الوقف على قوله : خالِدِينَ فِيها .